17‏/08‏/2013

السينما ونظرية المُشاهدة

 
محاضرة :- تونى مكيبن
ترجمة :- ممدوح شلبى 

نريد من نقاشنا لطبيعة نظرية المشاهدة ان ننظر ليس الى الكيفية التى يستجيب فيها المشاهدون الى فيلم بطريقة احصائية وعلمية، ولكن بدلا من ذلك ان ننظر الى الكيفية التى يندمج فيها الجمهور ويتفاعل وينشغل بالفيلم فى اطار الممارسة المشاهدية، ولكى استطيع توضيح ذلك فسوف استخدم عديد من المصطلحات، من بينها - المسافية – الاسقاط الذاتى – التركيز – الذاتية.

وباستخدام مثل هذه المصطلحات سوف اُظهر ان الامر ليس قضية المشاهدة تلك التى احتج عليها ميتز فى اطار من التحليل النفسى، وسبق ان تحدثنا  فى هذه المحاضرات عن التحليل النفسى حيث ينظر المشاهدون الى ذواتهم المهمشة فى تجربة مشاهدة الافلام، على حين ان المخرجين يجب عليهم ان يُغيروا هذا الاحساس بالتهميش.

لا لن افعل، وبدلا من ذلك دعونا نفكر فى قضية المشاهدة ونقترب من الرأى المعارض الذى ينادى به كل من ديتوا وبيرسانى اللذان اعلنا عنه فى كتابهما ( اشكال من الكينونة)، لقد قالا ( ان وجهة نظر الكاميرا فيما يخص العالم الذى يقوم الفيلم بتصويره تشمل بشكل رئيسى تصورات مسبقة للمشاهدين فيما يخص هذا العالم )، وهذا لا يبدو منطبقا على المشاهدين مسلوبى الوعى طبقا لرأى ميتز، ولكنه ينطبق تماما على الجمهور البريختى الذى صُنعت من اجله العديد من الافلام فى نهاية الستينات، واننا لمسنا علاقة بين البنيوية والتحليل النفسى والايديولوجيا والسياسة، فالجمهور ما هو الا نتاج للطرح الايديولوجى وآلية الوسيط السينمائى.

ويذهب كل من دوتوا وبيرسانى فى قولهما ( ان هؤلاء اللذين سيشاهدون الفيلم هم فى الحقيقة من استهدفهم الفيلم عبر الكيفية التى تنظر بها الكاميرا الينا: انها تفرض على ما نشاهده شخصية سبق اختلاقها عنا ) وهذا يتعلق بالمسافية الى حد ما، او كما يطلق عليه المنظر الادبى فيكتور شكلوفسكى (التغريب) - حيث يكون القارئ او المُشاهد واعيا بالشكل المصطنع للعمل الفنى – ولكن فى السينما الحالية فغالبا ما يندمج هذا بدرجة كبيرة بتقنية المعايشة التى يستخدمها المخرجون.

لقطة من فيلم ألعاب مرحة لمايكل هانيكه
وفى السنوات القليلة الماضية فان المخرجين الذين استخدموا تقنية المسافية فعلوا ذلك لكى يُؤكدوا على فاعلية تقنيات المعايشة التى يستخدموها، فقد اراد كل من مايكل هانيكه فى فيلميه ألعاب مرحة والمخفى وكذلك جاسبر نوى فى فيلميه ( الفرد عكس الكل ) و ( لا رجعة فيه )، ارادا من المُشاهد ان يتوحد مع الفيلم حتى يستطيعا ان يفصلاه مرة اخرى فى اللحظات المهمة.

وهذا ليس نوعا من الادراك الذاتى للوسيط الذى يظل متجردا، لكنه اقرب الى السجادة التى تُسحب من تحت اقدامنا: ان معايشة المُشاهد لم يتم تجنبه، انه شيئ اساسى، ونستطيع ان نلحظ ذلك فى احد مشاهد فيلم ألعاب مرحة حيث يبدو ان العائلة التى تذهب لتنتقم من الدخلاء على المنزل يتم تقديمها باعادة لقطات سابقة من الفيلم فقط.
وفى فيلم المخفى نرى اللقطات تُعاد فى مناسبات عديدة، وتتركنا غير متأكدين هل ما نراه حقيقى ام ان اللقطات هى ما تشاهده الشخصيات، وفى فيلم ( الفرد عكس الكل ) فثمة تنبيها يستمر 30 ثانية يظهر فى لحظة معينة فى الفيلم ويعطينا الفرصة لكى نغادر صالة السينما، فالفيلم سينتهى على هذه الفظاعة والتشويش.

لقطة من فيلم المخفى لمايكا هانيكه
وفى فيلم ( لا رجعة فيه ) يقلب جاسبر نوى النظام الزمنى لدرجة ان الفيلم ينتهى نهاية سعيدة بمصطلح الحبكة – كما لو انه انتقل من المأساة الى السعادة – لكن النهاية تراجيدية بمصطلح التسلسل الزمنى للقصة، فثمة امرأة حامل يتم اغتصابها بوحشية بينما يذهب حبيبها واحد الاصدقاء ليبحثا عن المُغتصب، فالفيلم ينتهى على واقع انها حامل بينما القصة تنتهى فى السجن.

هذه الامثلة لتقنية المسافية تبدو مختلفة تماما عن استخدامها فى افلام الستينات والسبعينات، حيث حاول اشهر المخرجين ان يخلقوا مشاهدين لديهم ادراك ذاتى من خلال تقويض تقنيات المعايشة، وفى فيلم ( عطلة نهاية الاسبوع ) لجودار، يقدم المخرج مجموعة كبيرة من عناصر المسافية حتى يتجنب اندماج المُشاهد على المستوى السردى والتمثيلى.
 

لقطة من فيلم عطلة نهاية الاسبوع لجان لوك جودار
وسواء كانت اللقطة تصور بطلة الفيلم وهى تخبر حبيبها عن خيالها الجنسى، حيث صُورت المرأة فى ظل الضوء، او كانت لقطة متابعة طويلة تكشف عن سيارت مُحطمة على طول الطريق، او لقطات رد فعل للشخصيات على الاحداث التى تبدو مختلفة عن الاحداث التى نراها فعلا، فجودار بدا انه يريد ان يخلق اكبر قدر من الادراك لدى المُشاهد.

وعلى الرغم من ان جودار فى بداية مشواره الفنى لم يكن خائفا من تبنى نظام افلام النوع - مثل نوع فيلم العصابات فى فيلم ( اللاهث ) ونوع الفيلم الموسيقى فى فيلم ( المرأة هى المرأة ) او نوع افلام الحرب فى فيلم ( العساكر ) – فقد كان يستخدم ويستعير بنية فيلم النوع ثم يستهزأ بها بدلا من التعاطى مع تقاليدها فى توليد استجابات عاطقية قوية.

والمخرجون المعاصرون مثل مايكل هانيكه وجاسبر نوى سيستخدمان عنصر التطفل فى نوع الافلام المنزلية كما فى فيلم ألعاب مرحة او نوع فيلم دراما الانتقام كما فى فيلم ( لا رجعة فيه) لكى يولدا ردود افعال قوية ومؤثرة عند المُشاهد وبعد ذلك يطلبان من المُشاهد ان يتسائل عن اسباب ما يحدث.

وبينما جودار وبانويل وبازولينى وانطونيونى ارادوا مُشاهدا واعيا وأملوا فى استجابة قوية دون ان يستخدموا تقنية المُعايشة، فان اغلب الجيل الجديد من المخرجين يريدون من تعايش الجمهور ان يولدوا ادراكا من جانب المشاهدين لهذا التعايش.

اذا كانت معظم الافلام والنظريات التى ظهرت فى الستينات والسبعينات جعلت المُشاهد واعيا ببناء الصورة، ومن ثم فقد استخدموا المسافية البريختية، فهل غالبية المخرجين الحاليين مهتمين ايضا بتقنيات التغريب؟ فالحقيقة انهم يقدموه داخل عملهم الفنى ويهتمون فى نفس الوقت بمعايشة المُشاهد على المستوى الانفعالى، هل هذا قالب حلوى حقيقى ام سينمائى؟ او هل المخرج يولى اهتماما اقل ببنية الصورة ( الوسيط ) بينما يتركز اهتمامه الاكبر على بنية الاحاسيس؟

ان السينما الحالية تبدو انها تمزج بين جودار وهيتشكوك وهى تبحث عن اسقاط لذاتية المشاهد واندماجه، فهى لا تبحث فقط عن مُشاهد يُحلل الفيلم، ولكن ان تكون له ايضا ردودا عاطفية لما يراه، وعندما سأل المخرج جاسبر نوى الجمهور بعد مشاهدة فيلمه ( الفرد عكس الكل ) عما اذا كانوا قد بكوا، فهذا مخرج اراد من المُشاهد  ان يتحرى فى ردوده العاطفية: حتى يتسائل هذا المُشاهد من اين تأتى تلك الدموع.

ونفس السؤال سأله المخرج لارس فون ترير لرجل وامرأة بخصوص فيلميه ( انكسار الامواج ) و ( الراقص فى الظلام ) حيث اصر على ان كل شيئ  فى فيلميه كان غريزيا لكنهما وفى نفس الوقت كانا يحملان معنا فى كل لقطة، فهناك ثمة مُعايشة وثمة ادراك بتقنية التعايش، فهل يستطيع المخرج توليد دموع غير الدموع المُهندسة التى يتحدث عنها كولين مكارثر فى كتابه ( بريجادون، القلب الشجاع والاسكتلنديين ) مستعيرا تعبير توم لوتز ( الدموع التى توشك ان تطفر) ام يتبنى المخرج ما قاله سلوفاك زيزيك مستعيرا مقولة المخرج كرزيستوف  كيسلوفسكى ( الخوف من الدموع الحقيقة )؟

هذه هى الطريقة التى يستطيع المخرجون بها توليد عواطف بدون الاعتماد على ميكانيكية تواتر الدمع التى تحدث عنها مكارثر عندما ذكر اشكالا من الموسيقى المصاحبة والتركيز - اللحظة العابرة التى  تصبح فيها الشخصية مركز اهتمامنا - التى تقود عواطفنا بفجاجة، كيف يتجنب المخرجون التركيز، والذى يشمل عادة لقطات مقربة كثيرة وموسيقى مصاحبة وموسيقى ذاتية مصاحبة، ويتجهون الى اطلاق العنان لعواطف الاسقاط الذاتى: ليخلقوا علاقة سببية مع الدموع الحقيقية ؟

وبالنسبة لكيسلوفسكى فالمشكلة ظهرت عندما كان يعمل فيلمه التسجيلى الجميل ( الحب الاول ) وهو عن شاب وشابة يصبح لهما طقل، فقد انزعج كيسلوفسكى بسبب تصوير الأب وهو يحمل الطفل بين ذراعيه عندما وُلد، وكان كيسلوفسكى يعتقد ان ثمة شيئ ما خطأ، وطبقا لكلمات زيزيك ( الفجاجة لمثل هذا التصرف الذى لا يليق بعلاقة حميمة )، كيف يجد الانسان ان الاقتراب الصواب من الناس يكشفهم – وفى نفس الوقت - يسمح لهم بالاحتفاظ بكرامتهم؟ وغالبا فان التركيز يريد ان يمحو اى تأثير للاندماج العاطفى فى المشهد، وبناءا عليه فان كولين مكارثر يستشهد بعبارة لوتز المفيدة ( الدموع التى توشك ان تطفر) ليصف كيف يتحقق ذلك عمليا.

الشيئ الرئيسى فى عدد من الافلام التى تتبع نظرية المشاهدة والتى تحدثنا عنها، هى كيف تجعل الجمهور يتعايش ولكن وفى نفس الوقت - وانت تفعل ذلك - ان تسأل اسئلة اكبر مما يجيب عليه التعايش بسهولة: انها يجب ان تفعل اكثر من جعلنا نبكى او نقفز او نهلع او نصرخ.

ففى فيلم ( من اجل اختى ) لكاثرين برييلا على سبيل المثال، نرى فى نهاية الفيلم ان هناك فعل فظيع من العنف رغم ان الفيلم بدا حتى هذه اللحظة يتعاطى مع العلاقة بين اختين بنوع من البطء، ان فعل العنف يصيب المُشاهد من الناحية النفسية عن طريق زيادة الايقاع، فهى صدمة نفسية وليست اكثر من ذلك حيث تبدو الغرابة في تصرف الشقيقة الصغرى.

ويبدو الامر كما لو ان العديد من المخرجين المعاصرين ( بما فى ذلك مايكل هانيكه وجاسبر نوى ولارس فون  ترير وبرييلا وكذلك جاس فان سان وديفيد لينش وديفيد كروننبرج ) مهتمون بالتلاعب بالوسيط السينمائى على نفس طريقة ايزنشتين وهيتشكوك، ومهتمون فى نفس الوقت ببريختية جودار، انهم يريدون من المشاهدين ان يتسألوا عن صدماتهم ودموعهم، لكنهم ارادوا هذه الصدمات وهذه الدموع.

وفى كتاب ( العالم المُشاهد ) لستانلى كافيل- الذى نُشر فى بداية السبعينات – ينظر الى افلام مثل ( سيكو ) و ( مارنى ) ويرى ان هيتشكوك ( يُعيد تفعيل هوسه المستمر بالتفسيرات النفسية الزائفة حتى يبتعد عن استقطاب وعى الجمهور )، ويذهب الى القول ان فيلم سيكو هو النسخة المُثلى لهوس هيتشكوك ( انه – فى التحليل النهائى - منطقى جدا بالنسبة لعالم نفس، فهو يربط ما يحدث بحياتنا، وهو يعرض نموذجا واحدا حيث قدرتنا على الشعور وقدرتنا على تهذيب عرائزنا لم يعودا نتاجات انسانية للحب والكراهية، فنحن نعول الآن على النظريات فى الحب والكراهية )

وبالنسبة لرغبة هيتشكوك فى تقديم تفسيرات زائفة: فهو بالطبع يتبنى عكس ذلك: فهو خلال الفيلم يتلاعب بعواطفنا بصورة مباشرة بقدر امكانه، ولهذا بدت التفسيرات ضعيفة مقارنة بالعواطف التى تظهر فى بداية الفيلم.
اما المخرجون الحاليون فانهم يريدون ان يؤكدوا على ذاتيتنا من خلال مزيج من الاندماج العاطفى وفى نفس الوقت يجبرونا على ادراك هذا الاندماج، انهم يريدون لكل فكرة ان تحتوى على استجابة عاطفية، وربما بهذا المزج يمكن استحضار الذاتية، وهذه الذاتية - كمصطلح- سبق لميشيل فوكو استخدامها بطرق مختلفة، وأحد هذه الاستخدامات ألتقطه منه جيل دولوز – وهذا من الامور المهمة – فقد قال دولوز ( النضال من اجل الذاتية يطرح نفسه مثله مثل الحق فى الاختلاف والتباين والتوحد )، هذا النوع من الذاتية لا يتضمن التوقعات والنوايا اذا ما قارناها بالفردية، لكنها بدلا من ذلك ذاتية عاطفية تسمح لنا باستبعاد الصراعات الافتراضية  من دائرة التركيز اثناء عملية مشاهدة الافلام، او انها لهذا السبب الصارم ذاتية تحذيرية حتى لا نقع فى التضليل طبقا لنموذج  ( ميتز ولاكان )

ان ما نستخلصه هنا ان العديد من المخرجين لم يخافوا من اغراق المُشاهد فى التجربة الفلمية لكن ما نريده هو ان نسأل انفسنا عما اذا كان المخرجون يخلقون افكارا طازجة واحاسيس بتكثيف علاقتنا بالصورة، ام انهم يخلقون تجهيلا ليس مطلوبا مما ادعاه بافلوف عن الاسقاط؟ وهل هذا فارق بين الصورة القابلة للتأويل وبين الصورة التى تكشف عن افكار جديدة فى استجابتنا اليها؟


محاضرة :- تونى مكيبن
ترجمة:- ممدوح شلبى

12‏/08‏/2013

سينما اوروبية جديدة


لقطة من فيلم هارمونيات ركمستر

محاضرة: تونى مكيبن
ترجمة: ممدوح شلبى

مع سقوط الاتحاد السوفيتى اظهرت العديد من افلام الكتلة الشرقية نوعا من اليأس موازيا لانهيار النظام الشيوعى، وهذا لا يعنى ان هذه السينمات كانت متعاطفة مع الشيوعية، ولكنها بدت انها تريد ان تلتقط  احساس العدم وعدم الجدوى بينما الاشتراكية تختفى، وكان الدين مختفيا من حياه الناس طوال الفترة الشيوعية كما كانت المادية مشكلة فى حياه الناس.

لكن علينا ان نكون حذرين من تناول افلام كل من بيلا تار وشاروناس بارتاس وفريد كليمان وآخرين باعتبارها افلاما تخدم السياق التاريخى الذى جاءت فيه، ففيلم هارمونيات ركمستر للمخرج المجرى بيلا تار يمكن وصفه بانه فيلم يصدر من مرحلة انهيار ايديولوجى، لكن بيلا تار بدا كما لو كان يريد منا ان نبحث عن الاسس المنطقية  اكثر من السياق التاريخى - اذا ما حاول الناس ان يستقرؤا فيلمه جيدا.

بدأ هذا المخرج المجرى اخراج الافلام منذ بداية الثمانينات، لكنه وفى العشرين سنه الاخيرة اخرج اربعة افلام فقط هى: اللعنة عام 1988 وفيلم تانجو الشيطان الذى يدوم سبع ساعات واخرجه عام 1993 ثم فيلم هارمونيات ركمستر فى عام 2001 واخيرا فيلم رجل من لندن عام 2007، وهذه الافلام الاربعة جميعها كانت ابيض واسود وجميعها كانت مهتمة بامر ما لم يتم الافصاح عنه ابدا.

ويقول بيلا تار ( اولا اود ان اوضح انه لا يوجد اى نوع من الاسقاطات فى اى من افلامى كما لا يوجد بها اى ترميز....) ويصر ايضا ( وبمقدار ما تثيره السياسة من اهمية لكننى اعتقد انها عمل حقير وانها ليست موضوع اعمالى السينمائية، فانا لا اصنع افلاما سياسية على الاطلاق، واننى احب ان اصنع افلاما اكثر اهمية من ذلك ).
لكن ماذا يلمح اليه بيلا تار اكثر من ذلك؟ ونستطيع ان نفهم انه يصنع نمطا معينا من السينما المتجاوزة، السينما التى تهرب من ضحالة الاسلوب وتصل الى افق جمالي فى شكلها: انها تتجاوز حدود موضوعها وترسخ روحا جمالية.

ان افلامه تقدم السياسات الفاشلة على المستوى العام، اما على مستوى الافراد فانها تكشف عن الجشع والخواء العاطفى، لكنها تبدو كما لو انها تغلف اليأس والآنية باطار جمالي مخطط بعناية، ويقول بيلا تار انه صور العشر دقائق الاولى من فيلمة هارمونيات ركمستر فى لقطة واحدة، لكن مدير تصوير الفيلم يصر على ان هذه اللقطة اُعيد تصويرها فيما بين 15 الى عشرين مرة لاختيار افضلهم.

ان شخصيات افلامه يعيشون حياه لا يجدون فيها بدائل اخرى، ويصر المخرج على وضع بدائل من عنده لهذه الشخصيات لكى تعيش فيها، هذه البدائل تأتى من الموسيقى حيث يبدو المؤلف الموسيقى الملهم فيج ميهالى وكأنه اكتشف فلسفة جمالية للموسيقى التصويرية، وربما يرى البعض ان هذا الاسلوب غير مقنع فالمخرج يُصيغ جمالا من القبح ويحول المأساة الى جمال، لكن آخرين يرون انه بتجميل الفوضى فى حياه الناس فان المخرج يمكنه ان يتعاطى مع نوع من المعانى تتجاوز محدودية الشيوعية والرأسمالية والنظريات، ويسمح للفن ان يمنح لتجربتهم قيمة، ان هذا اشبه بايقاف حركة الدائرة وخلق دائرة جديدة افضل.

ان بيلا تار يقدم مجموعة من الافلام الدقيقة وشديدة الروعة عن الفوضى فى بلد ليس له هدف،  فالناس يرون سينما تصور يأسهم ويحصلون على درجة ما من الايمان فى الموضوع الفنى، ولنيتشه تعليق لطيف شائع يرى فيه ان الفن يكمل الحياه وفى نفس الوقت يمكنه ان يأخذنا الى مستوى ارفع شأنا.

عندما يجد الناس انهم فقدوا الامل فى الوسائل الروحية والمادية فى حياتهم – وبمعنى آخرفقدوا الامل فى قناعاتهم، فهل يمكنهم ان يجدوا الامل فى الفن وهل يمكن ان يملأ نفوسهم بالقناعة؟ هذه الامكانية لم تتحقق فقط فى افلام بيلا تار لكنها تحققت ايضا فى افلام كليمان وبارتاس، كما ظهرت ايضا فى افلام مخرجين آخرين من بلدان الكتلة الشرقية.

المخرجة كاثرين بييلا
فالمخرجة كاثرين برييلا والتى تخرج الافلام منذ ثلاثين عاما، قدمت فيلم ( رومانسية ) الذى وُزع عالميا وهو يحكى قصة مُعلمة شابة تبحث عن ذاتها، ويفترض ايضا من فيلم رومانسية انه يتعاطى مع حياه مُختلقة غير التى يعيشها الناس من خلال موضوع الفيلم الجنسى واستخدام النجم الايطالى الايروتيكى روكو سيفريدى، لكن الفيلم ايضا كان غير تقليدى وتعاطى مع القضية النسوية بنفس الطريقة التى تعاطت بها افلام التسعينات، وعندما قالت برييلا انها ترى الفيلم انه ( بداية رحلة.... وانه يشبه اسطورة الملك ارثر .....) ان الفيلم بدا مناسبا للمسة افلام الواقعية الشعرية التى اشتهرت بها جين كامبيون مخرجة افلام ( البيانو – الدخان المقدس ) وكذلك المخرجة مارلين جوريس مخرجة فيلم ( مسار انطونيا ) والمخرج جيلان ارمسترونج مخرج فيلم ( اوسكار ولوشيندا ) وهذه الافلام حققت مكاسب كبيرة من شباك التذاكر.

ولكن هذه الافلام تبدو متسقة مع موجة سينمائية اخرى لم يُصادفها النجاح لكنها كانت مثيرة للجدل، هذه الموجة هى موجة افلام الابتذال والتى تشمل افلاما مثل ( واحد ضد الكل) و ( مدرس البيانو) و ( ممثل افلام البورنو) وغيرها من افلام.

وفى هذه النوعية من الافلام فان رحلة البدء تحتوى دائما على التحريض على اليأس من خلال الجنس والمخدرات والعنف، وفى شخصية مارى بطلة فيلم ( رومانسية ) فان الجنس هو الحل، فبينما ترى صديقها غير مهتم بمعاشرتها جنسيا، فانها تحل مشكلتها بطريق آخر حيث تبدأ اولا بسيفردى الذى تقابله فى حانة، وبعدئذ مع ناظر المدرسة الذى تمارس معه نوعا من السادية الماسوخية.

ومن الواضح ان هذا الفيلم مثالا متطرفا عن القضية النسوية، لكن الاولوية عند المخرجة برييلا هى ان نستكشف النسوية من خلال الابتذال، فالقضة النسوية ليست مجموعة من التابوهات – كما يصفها فرويد – لكن القضية النسوية اقرب ما تكون الى حقيقة ان المرأة لها حاجات جسمانية، وبناء عليه، فالمرأة لا ينبغى عليها ان تخفى احتياجاتها الجسمانية بقناع يمنع عنها الشبق الذكورى، لكن ان تُجبر نفسها وتُجبر الرجال الذين يتعاملون معها على التصدى للفكرة المسبقة عن المرأة، وهذا ليس هدف انانى بل انه عكس ذلك تماما، انه ابحار فى اتجاه رفض المسلمات الاجتماعية والبحث عن شئ آخر اكثر تجذيرا، وبهذا التوصيف فان هذا الفيلم يتوافق مع بعض طموحات السينما النسوية – تلك التى تحدثنا عنها فى الاسبوع الذى ناقشنا فيه الايديولوجيا – وبصورة خاصة فيما له صلة بمصطلح ( انا لك كما كنت )، لكن الاولوية فى الفيلم لم تكن فى صالح القضية النسوية، فالفيلم صريح فى ابتذاله، وتبدو شخصية مارى كما لو كانت حسمت امرها على ان تحرر الانا النسوية بداخلها وتسعى لتحقيق ذاتها، وهذا يقود الى عدد من السخافات واللامعقولية، فالمخرجة برييلا ترفض مسلمات علم النفس وتتبنى وجه نظر اجتماعية تتأسس على قناعات - بعضها مُشجع وبعضها مُحبط.

وهناك نوع من التكلف والغرابة فيما يخص مارى التى من المفترض انها تمتهن مهنة التدريس، فاللون الابيض يكسو جدران شقتها التى تعيش فيها، وكذلك الطريقة التى تتفاعل بها مع عشاقها – فعندما تمارس الجنس مع سيفردى فانها تبدو مهتمة اكثر بالاستغراق فى خيالاتها اكثر من التفاعل مع عاشقها لتلبية احتاجاته.

لكن بالنسبة لبرييلا فهذا الفيلم يفصح عن اسلوبها بصورة اكثر وضوحا، فعلى الرغم من انها تريد عرض الواقع الذى يخص ابطال افلامها الذين يبحثون عن ذواتهم بطرقهم الخاصة، الا انها قدمت فيلمها باسلوب الواقعية السيكولوجية التقليدية فكانت النتيجة ان بطلة فيلمها لا تبارح مكانها، ان تيمة الفيلم تتشابه مع تيمات افلام برييلا الاخرى بما فى ذلك فيلمها ( عذراء) حيث تختار بطلة الفيلم المراهقة ان تفقد عذريتها مع مراهق مثلها لا يتمتع بالجاذبية بالرغم من وجود رجل آخر يحبها، وكذلك فيلم ( من اجل اختى ) حيث نجد شقيقة كبرى جميلة تفقد عذريتها وهى مُغيبة  وتظل اسيرة لنوع من التعظيم والتباهى بنفسها فى الوقت الذى يتوفر لها شاب يغازلها ويتودد اليها، وفى نهاية فيلم ( من اجل اختى ) فان اختها السمينة تتعرض للاغتصاب، وهذه النهاية المثيرة للجدل يتم تصويرها على انها اقل عنفا مما تعرضت له اختها الجميلة.

حققت افلام ألمانية متنوعة نجاحا ماديا ونقديا فى السنوات القليلة الماضية، فى تأكيد على ان السينما الألمانية بدأت مرحلة جديدة من المجد، فقد سبق لهذه السينما ان حققت مجدين اولهما كان السينما التعبيرية فى العشرينات والمجد الثانى فيما اصطلح على تسميته السينما الجديدة فى السبعينات.

ولكن الملمح الرئيسى لهذه السينما الألمانية الحالية هو انها تبدو كما لو انها تعارض السينما التأملية عند فاسبندر وفيم فاندرز وفيرنر هيرتزوج والمخرجان ستروب، ومن امثلة هذه الافلام فيلم ( اهربى يا لولا، اهربى ) و ( الاصطدام بالحائط ) و ( ايامك الكثيرة معدودة ) – الذى رُشح للسفعة الذهبية فى مهرجان كان 2004 – وفيلم ( وداعا لينين )، وتتميز هذه الافلام بايقاعها السريع وسردها لقصص باسلوب واضح ، كما تتميزبحميمية اكثر مع الجمهور بدلا من تحديه.

لقطة من قيلم الاصطدام بالحائط لفاتح اكين
هل هذا شيئ جديد؟ ربما الامر هكذا من الناحية الظاهرية ولكن ما هو الثمن التى تدفعه هذه الافلام باقترابها الحميمى مع الجمهور؟ دعونا نستشهد بفيلم ( الاصطدام بالحائط ) على سبيل المثال، فهو فيلم شديد الروعة رغم قيوده، وهذه القيود تقبع فى المهنية التى تُحكى بها قصة الفيلم.

فحقيقة الامر ان العديد من افلام السبعينات اختارت دائما الا تحكى قصصا على الاطلاق، وانها كانت مهتمة بالبحث فى الاشكاليات، وتتطلع الى استكشاف ذاتى لألمانيا فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولا تلقى بالا بالتطور السردى للقصة، ولهذا السبب فان الناقدة بولين كايل تعتبر فيم فاندرز – احد رموز هذه السينما – بدا مهتما بسرد قصص لكنه لا يولى اهمية لهذه العملية، وهنا يتبادر الى اذهاننا شيئين، الاول، ما الدرجة التى نتوقع فيها من فيلم ان ينخرط فى سرد قصة؟، فالامر لا يتعدى كونه سرد بصرى، والامر الثانى، ماذا من المفترض ان نجنيه من سرد قصة؟.

وفى السينما الألمانية الجديدة فى السبعينات اراد المخرجون دوما ان يستكشفوا اساليب سينمائية وان يختبروا مجتمعهم اكثر من انخراطهم فى صنع حبكات، وكانت لديهم قناعة ان الحقيقة اكثر اهمية من الابداع الفنى، ونستشهد بفيم فاندرز الذى قال انه يصنع افلاما واحيانا تصير قصصا، واذا لم تقدم هذه الافلام قصصا فانه لم يخدع احد، ولدينا كذلك مقولة لفاسبندر يقول فيها ( لا توجد فى افلامى احاسيس – تلك التى يتعاطى معها الناس واعتادوا عليها، فالسينما بدلا من ذلك يجب ان تبتدع احاسيس اخرى )، وكذلك المخرجان ( ستراوب وهيليت ) اللذان قالا انهما ( يجب ان نصنع افلاما لاقلية من الناس لاننا نتمنى ان تصبح تلك الاقلية اغلبية فى المستقبل ).
اذن فقد كانت هناك سينما راديكالية شككت فى القصة ولم تعتبرها وسيلة من وسائل الوصول الى غاية، لكن السينما الألمانية الحالية قررت ان تهتم بالقصة عظيم الاهتمام، فالجمهور يتفاعل عاطفيا مع تغيرات القصة اكثر من انخراطه الذهنى فى الاوجة المتعددة للحقيقة المنشودة.

فى فيلم ( ايامك الكثيرة معدودة ) نرى استخداما للتشويق فى اعلى درجاته عندما يقتحم ابطال الفيلم شققا سكنية ويبدأون فى ترتيب قطع الاثاث كأشارة الى معارضتهم للرأسمالية، وايضا عندما يختطفون واحدا من ضحاياهم ولا يستطيعون تقرير هل يجب ان يثقوا فيه ام لا، وفيلم ( عُقدة بادر ماينهوف ) من ناحية اخرى، يشبه افلام جيمس بوند ويتعارض مع افلام ألمانيا كثيرة تعرضت لموضوع الارهاب وظهرت فى نهاية السبعينات وبداية الثمانينيات، وعلينا ان نشاهد افلاما مثل ( شرف كاترين بلوم الضائع ) و ( ألمانيا فى الخريف ) و ( الشقيقات الألمانيات ) حتى نرى كيف ان الاسلوب السردى كان مسيطرا.

ان اكثر الافلام الألمانيا الحالية تميزا يقدم جرعات زائدة من السرد والتكثيف الدرامى، ففى مشهد من فيلم ( الاصطدام بالحائط ) ينهض بطل الفيلم مجروحا فى لحظة من لحظات الاعتداء الجسمانى القاسى التى لاتختلف كثيرا عما تنتجه هوليوود، ويهدف الفيلم هنا ان يُظهر ان بطل الفيلم بدأ فى الاحساس بحب حقيقى للمرأة التى يتزوج منها تعبيرا عن رضاه، وبسبب سلوكه العنيف فانه يعتدى على احد الرجال فى حانة، ويقضى عدة سنوات فى السجن بعيدا عن المرأة التى احبها ويتركها تذهب الى استانبول وحيدة وضائعة، ويحتشد الفيلم بعواطف جياشة نحس بها تجاه بطلى الفيلم: فنحن نأسى علي بطل الفيلم بسبب تعاطيه الخمر ( وفى بداية الفيلم نراه يصطدم بسيارته فى حائط فى محاولة فاشلة للانتحار ) كذلك فنحن نتعاطف مع بطلة الفيلم التى تهرب من القيود العائلية، ( نراها تقطع شريان معصمها فى احد المشاهد لانها تعيش حياتها بلا امل وفاقدة للحرية ).

المخرج فاتح اكين
نحن لا نعتبر ان فيلم ( الاصطدام بالحائط ) فيلما قاصرا لمجرد انه يستخدم اسلوب السرد القصصى التقليدى بديلا عن استكشاف اسلوب سينمائي جديد وطليعى ذلك الذى يذكرنا بمقولة فاسبندر عن الاحاسيس الجديدة، فمن المؤكد ان الفيلم يتعاطى مع تقنية المسافية عبر تنويعاته فى السرد، فنرى قطع مونتاجى على فرقة موسيقية تُركية تقدم موسيقاها فى ميناء على خليج البوسفور فى مشاركة وترديد للقصة التى يحكيها الفيلم، لكن هذه المسافية المعاصرة تبدو مختلفة عن تقنية المسافية فى افلام السبعينات التى تساعد على تحييد مشاعرنا، ان هذا الفيلم الذى اخرجه فاتح اكين يعتبر من انجح الافلام الألمانية الحالية، لكنه ايضا يبدو شديد التقليدية مقارنة بالسينما الراديكالية التى ظهرت فى العقدين او الثلاثة السابقة.

ويعتقد البعض ان الاخوين داردن يحذوان حذو المخرج كن لوتش: انهما اجدر مخرجين قدما المهمشين واستطاعا التعبير عن الاشكالية الاجتماعية، مثل فيلميهما ( روزيتا ) و ( الصبى والطفل )، لكن هذا نصف الحقيقة، اما النصف الثانى فهو الكيفية التى تعاطا فيها مع الحياه التى يقدماها فى افلامهما، والكيفية التى استطاعا بها الايحاء المقتضب بالعنصر الروحانى فى افلامهما.

فى احد المشاهد الاولى من فيلم ( روزيتا ) نرى الى اى حد تحتاج بطلة الفيلم الى العمل، لكن الاخوين داردن لا ينتظران من الجمهور ان يتعاطف معهما اعتمادا على طبيعة موضوع الفيلم، لكنهما عبرا بصريا عن اليأس، ولذلك فالكاميرا تندفع هنا وهناك فى محاولة لالتقاط مشاعر روزيتا المرتبكة واليائسة للتعبير عن رغبتها فى الاستمرار فى العمل، وكان من السهل جدا ان يتم تصوير الفيلم بلقطة تأسيسية تقليدية ثم نتحول الى لقطة مقربة مثلما هو شائع فى السينما الواقعية التقليدية، لكن المخرجين ارادا ان يعبرا عن ضياع الفتاة روزيتا، فالمشهد لا يعبر فقط عن احتياجها للعمل، لكنه يعبر عن ضرورة ان يكون المجتمع قائما على تكافؤ الفرص وان يحاول ايجاد وظائف للناس الذين يُصابوا بالجنون بسبب افتقادهم الى معنى لحياتهم.

وفى مشهد لاحق نرى روزيتا تصطاد سمك، انه نوع من الممارسة التى تعبر عن شيئين، اولهما انه سلوك ايجابى، والثانى انه يعبر عن الحاجة الى الطعام، وكفتاة تعيش فى حديقة عامة مع امها، فهناك احساس بان كل ما تحتاجه هو ان تحصل على حقها فى حياه عادية – ان امها مُدمنة كحول وبالكاد تستطيع ان تقف على قدميها - ان اكثر ما يُثير فى هذا الفيلم هو وجهة نظره، تلك وجهة النظر التى ترى ان البعد الاجتماعى جزء من كل، ان الاخوين داردن يتذكران كافكا ويقولا ( اننا فكرنا فى شخصية ( ك ) فى رواية القلعة.... انه لا يستطيع الدخول الى القلعة كما انه مرفوض دائما من القرية ودائما يسأل نفسه هل هو موجود حقا، هذا اوحى لنا بفكرة عن فتاة مُلقاة جانبا وتريد ان تحصل على شيئ يسمح لها بالدخول فى المجتمع لكنها لا تجد سوى الصد).

لقطة من فيلم روزيتا
ان اهتمام الاخوين داردن تركز على مسألة ما الذى يسمح لشخص ان يوجد، وارادا ان ينقلا القضية من حدود كونها تعبر عن خلل اجتماعى لتعبر عن مفهوم اوسع للكينونة، وهنا يكمن العنصر الروحانى المخفى، وبالنسبة لنا فروزيتا ستعمل اى شيئ لكى تحصل على عمل، لذلك ففى احد المشاهد تخبر رئيسها السابق فى العمل ان صديقها الذى يبيع الفطائر فى المحل، يبيع فطائره الخاصة الموضوعة اسفل الطاولة، وتأمل روزيتا ان وشايتها ستتسبب فى فصل صديقها ومن ثم تحصل على العمل بدلا منه، هذا بالضبط ما حدث، ولكن هل توارد الى عقلها ان ثمة ما هو اهم من الوظيفة، الا يشمل هذا علاقتنا بالآخرين والقواعد التى تحكم سلوكنا وايماننا بان ثمة ما هو اكثر اهمية من ذواتنا؟

احد المبادئ الاساسية فى الواقعية ان الاشياء تحدث للشخصيات وليس ان الشخصيات تستطيع تطويع الحياه لانفسهم، ويؤمن الاخوان داردن بان عدم القدرة على تطويع الحياه لذوات الاشخاص شيئ حقيقى فعلا، لكنهما لا ينفيان وجود لحظات من الوعى الذاتى والارادة بصرف النظر عن اليأس،  واذا اردنا ان نقرأ نهاية الفيلم على انها تعبر عن التفائل – نوعا ما - فهذا لاننا ندرك ان الفرد تتوفر له لحظات يكون فيها قادرا على اتخاذ قرار حتى فى اسوأ اللحظات، وهذا لا يبرأ النظام الاجتماعى الظالم من التهم، والمخرجان داردن الثوريان سعداء جدا انهما ينتقدان الرأسمالية فى حقبتها الاخيرة على طريقة ( اذا لم تعمل.... فهذا يضعك خارج المجتمع، ويجردك من المرجعية، وتكتشف انك لا تعرف مكانك، حتى لو كان لك مكان ) ولكن حتى فى ظل هذه المأزق الفظيع فثمة اناس آخرين، وهناك ايضا ضمير الشخص نفسه، كيف يجد المرء نقطة مرجعية؟، هذا هو السؤال الذى يسأله الاخوان داردن والذى يعكس الحاجة الى الروح وليس المجتمع فقط.

ان المخرجة الاسكتلندية لاين رامسى تُعتبر واحدة من اهم المخرجات البريطانيات الشابات، انها اخرجت فيلم ( صائد الفئران ) الذى احبه كثير من الناس، واخرجت ايضا فيلم ( مورفن كوللر ) الذى اعتبره عدد مساوى من الناس انه فوضى، وعلى ايه حال، فان ما بدا فيلم مورفن كوللر انه يريده – ومثله مثل فيلم صائد الفئران – ان يبحث عن الاشكاليات الاخلاقية للشخصيات بدون السماح للشخصية ان تسجل تلك الاشكاليات من خلال السرد السينمائى التقليدى والحوار، وهذه المسألة توضحت منذ فيلمها الروائى الاول، فجيمس جيليسبى ذلك الولد ذو الاثنا عشر عاما يشهد موت صديقه فى القناة ويشعر بالمسؤولية عن موته، وكذلك شخصية سمانثا مورتن فى فيلم مورفين كوللر -  تكبر جيمس جيليسبى قليلا - فهى شابة تتطلع الى استكشاف ما يتوفر لها فى حياتها، ولكنها تفعل هذا بعد موت حبيبها، ولا تُدلى بشهادتها على انتحاره، انها تنزل فقط ويتتبع الفيلم محاولتها للخروج من المأزق، وتجد انها لا تستطيع ان تنسى ما حدث، فهذا الحادث لا يفارقها بالرغم من انها انتقلت للعيش فى قرية هاى لاند.

المخرجة الاسكتلندية لاين رامسى
القضية الاخلاقية لا تهم المخرجة رامسى من قريب او بعيد، ويحق لنا ان نقول ان الذى يؤرقها اكثر هو توجيه الانتباه سينمائيا، واذا كان النقاد ومنظرى السينما يتحدثون عن القصة باعتبارها اهم شئ فى السينما، عندئذ فاننا نقول اننا لن نحصل سوى على قناعات اخلاقية من عملية السرد الروائى، ولكن ماذا لو كان الفيلم تنبيهى اكثر من كونه اخلاقي؟ وهذا ما نجده فى فيلم مورفين كوللر الذى يهتم بدقة التفاصيل على حساب الضرورة الاخلاقية.

لقطة من فيلم مورفين كوللر
ان الاسلوب الذى تم به اخراج فيلم مورفين والذى يركز على وجهة نظر مورفى العاطفية، وبرغم ذلك فالفيلم يكشف لنا اشياءا كثيرة قد يتجاهلها مخرجو الافلام المهتمين بالسرد، فهناك تطويل كبير فى عرض حالة العجز لصديقها، وكذلك المشهد الطويل لطقس الاذلال فى نادى اجازة نصف العام فى اسبانيا حيث نتوقع من كل الشخصيات ان يسبحوا فى حمام السباحة ويمارسوا الالعاب المائية، لكن مورفين بدلا من ذلك يفضل التطلع اليهم بدلا من المشاركة.

ففى مثل هذه المشاهد يسمح الفيلم لنا ان نعى بوضوح عقلية مورفين بالرغم من ان اكثر التفاصيل السردية تلمح الى ما هو غير اخلاقى، ففى احد المشاهد توافق بطلة الفيلم ان تنشر قصة حبيبها السابق باسمها نظير الحصول على مبلغ كبير من المال، فالسلوك اللاخلاقى هو ما يلفت نظر الناس.
ولكن اذا شاهدنا الفيلم بطريقة تختلف عما يلفت انتباه الناس، عندئذ سنرى قوة الفيلم - رغم ان كثيرين يرون ان الفيلم يقود الى نقاط ضعف كثيرة: مثل الضعف المتعلق بطريقته الملتوية فى السرد، فالاحداث لا تتخذ شكلا واضحا.

هناك مصطلح لطيف من ناقد فرنسى يدعى فيليب ارنو يسميه ( الشخصيات المُمنعة ) وهى الشخصيات التى تظل مجهولة لانفسها، وينطبق هذا الاصطلاح نوعا ما على السينما الحديثة مثل شخصية مارى فى فيلم ( رومانسية ) وشخصية روزيتا فى الفيلم الذى يحمل اسمها.
وبالنسبة الى شخصية مورفين فكونها مُمنعة يفيد لانه يسمح لمورفين ان تعرف القليل عن نفسها بدلا من توظيف مخرجة الفيلم لها فى اكتشاف العالم، ومن هنا فان رامسى ابتعدت عن كونها مخرجة مهتمة بعلم النفس ومالت الى علم الظواهر والملاحظة الخارجية للاشياء، انها مخرجة تريد ان تستحضر الواقع لنرقبه لا ان نراه من زاوية اخلاقية، ومثلها مثل مخرجات حاليات كثيرات مثل اندريا ارنولد ( مخرجة فيلمى الطريق الاحمر وحوض السمك ) والمخرجة لوكريشيا مارتل ( مخرجة فيلم سيناجا- المرأة مقطوعة الرأس ) ، فثمة ما يجعلنا ننظر الى فيلم مورفين وكأننا نتلمسه، ان انظارنا  تتركز على تفاصيل الاشياء اكثر من الشكل الفنى للقصة.

محاضرة : تونى مكيبن
ترجمة: ممدوح شلبى