23‏/07‏/2014

القصة السينمائية وأشكال السرد


محاضرة: - تونى مكيبن
ترجمة: - ممدوح شلبى
إصلاحية شوشانك

"لا توجد قصة فى أى فيلم من أفلام أنطونيونى" هكذا قال موراى بوميرانس فى مقالة " Michelangelo Red, Antonioni Blue " وهذه الفكرة تستحق أن نحتفظ بها فى عقولنا،  حيث يوجد الكثير جداً من أساتذة السيناريو والنصوص الذين يصرون على أهمية القصة فى الفيلم، روبرت مكى " Robert McKee " فى كتاب "القصة " كتب ما يلى "فن القصة هو القوة الثقافية المهيمنة فى العالم، وفن السينما هو الوسيط المهيمن فى هذا النشاط الثقافى الكبير".
 
" وكما قلت مراراً، جوهر الدراما هو الصراع: فبدون الصراع لن تجد فعل: وبدون الفعل لن تجد شخصية: وبدون الشخصية لن تجد قصة: وبدون القصة لن تجد سيناريو" ويتفق سيد فيلد مع هذا الراى فى كتابه "السيناريو".

 
ومتحدثاً عن السيناريو يقول سيد فيلد "ليس لديك سوى عشرة صفحات لكى تلفت إنتباه القارئ أو المُشاهد: ولهذا السبب فهناك الكثير جداً من الأفلام التى تبدأ بمجموعة مشاهد مثيرة للإهتمام مثل إفتتاحية فيلم "الفك المفترس"... وفيلم "إصلاحية شوشانك" " Shawshank Redemption " وفيلم "الساعات" وفيلم "غزاة العالم المفقود" " Raiders of the Lost Ark " ...... فبمجرد ان تًؤسس هذا المشهد او مجموعة المشاهد – والتى تسمى عادة حث الأحداث- فإنك تستطيع أن تبنى بقية القصة"

 
ويصر الناقد البريطانى جون يورك فى مقالة له عن الحكى السينمائى – نُشرت فى صحيفة الجارديان – على أن القصة تحتاج قوى معادية "فأحياناً يتصادف أن الشخصية المحورية يتم إلقاءها بعيداً وتجد نفسها مجبرة على الدخول فى عالم لم يسبق لها أن رأته، ونجد أن الصبر ينفذ ونجد ان جريمة تحدث....إلخ، كل هذه الأفعال لها تبعات: والتى فى المقابل تثير عقبات – التى يُطلق عليها القوى المعادية –  وهى  مجموع كل العقبات التى تعوق شخصية فى سعيها لتحقيق ما تتمناه".

 
هذا كله جيد للكثير من الأفلام، لكنه غير مفيد لأفلام أخرى، وهدفنا فى هذه المحاضرة أن نناقش فكرة القصة ليس بإعتبارها أمراً مفروغاً منه ولكن بإعتبارها بُعداً من أبعاد الفيلم، وبدلاً من النظر إلى السينما كشكل فنى أو صناعة تحكى لنا قصصاً – على الرغم من ان هذا هو ما يحدث غالباً- فمن المفيد لأهداف المحاضرة أن نقترح أربعة طرق لمسالة السرد السينمائى، فإذا قسمنا طرق الحكى الفيلمى إلى "الصريح" و"الإنقلابى" و"التأملى" و"واللاروائى" عندئذ نستطيع ان نهرب من التصورات السائدة عن السينما بإعتبارها شكل قصصى.

 
الطريقة"الصريحة" هى ببساطة أكثر الطرق شعبية لسرد قصة، وهذا حيث يبنى الفيلم مشكلة يمكن ان تستشكل وتنتهى بحل لهذه المشكلة، والإستشكال والحل يتمان بطريقة تتسق مع صعوباتنا فى الإدراك– بمعنى أن تتسق طريقة  السرد مع المحرك الزمنى للقصة، فعندما نرى شخصية مايكل كورليونى التى مثلها أل باتشينو وهو يفقد روحه ببطء فى فيلم "الأب الروحى"، وشخصية راتسو ريزو التى مثلها داستين هوفمان وهو يفقد صحته فى فيلم "راعى بقر منتصف الليل" " Midnight Cowboy "، وشخصية إيثان إدوارد الذى مثلها جون واين وهو يجد إبنه أخيه فى فيلم "الباحثون"، والثلاثة رجال فى المركب (روبرت شو وروى شيدر وريتشارد درايفوس) وهم يمسكون سمكة القرش فى فيلم "الفك المفترس"، والشخصية المحورية وهى تقوم بإخراج الشرير فى فيلم "شين" "ٍ Shane " فإن الفيلم يكون عادلاً مع المشاهدين: ما نراه هو ما لدينا، ورغم ذلك ستكون هناك تطورات تالية، لكنها ليست مثل المفاجاة الدرامية.
الأب الروحى -الجزء الثانى

 
فى فيلم "الأب الروحى" يؤكد مايكل كورليونى لزوجته كاى "دايان كيتون" إنه ليس مثل عائلته، لكن مع نهاية الفيلم سيكون مثل عائلته وأكثر، حتى ان كاى سيتم الكذب عليها بخصوص أهداف الإستمرار العاائلى فى الإمبراطورية الإجرامية، وشخصية إيثان إدوارد لا يقتل إبنة أخيه، فقد قبض عليها الهنود الحمر، وصديق ريزو - جو باك-  "جون فوى" لا يصبح ناجحاً فى نيويورك كما كان يأمل عندما وصل إلى المدينة، معظم هذه الأفلام هى أفلام هامة، لكننا وبسبب الهدف من المحاضرة سوف نصنفها على انها أفلام "صريحة".

 
كل فيلم من هذه الأفلام له قصة واضحة تنمو وتجعلنا نتابع قصتها، وليس مطلوباً منا ان نخمن شيئاً، ومن المؤكد أنه سيكون هناك توتر فى المواقف، وسيكون هناك تفكيك للقصة إلى أجزاء، لكن وحتى فى الجزء الثانى من فيلم "الأب الروحى"، ورغم ان القصة تعتمد على الفلاش باك، فالفيلم يتكون من زمنين (دون كورليونى فى الماضى: ومايكل فى الحاضر) فإننا لا نتوقع من الفيلم أن يفاجانا فى تصوراتنا عن الاحداث.

 
فى طريقة السرد "الإنقلابية" " peripital " يقال لنا أننا كنا مخطئين فى تصديق تصوراتنا، المصطلح الذى نستخدمه هنا ماخوذ من إستخدام أرسطو لكلمة الإنقلاب " peripity " فى الاحداث، وكما يقول أرسطو "التغيير من الحالة الاولى للأشياء الموجودة فى المسرحية إلى نقيض الحالة الموضحة، وهذا ينطبق أيضاً على الطريقة التى نقول عنها أنها سلسلة الاحداث المحتملة او الضرورية: كما نرى تطبيقاً لذلك فى مسرحية "أوديب" على سبيل المثال: هنا نجد نقيض الأشياء يحدث من خلال الرسول الذى يأتى لكى يُبهج اوديب ولكى يزيل مخاوفه ومخاوف امه، لكنه يكشف عن سر ولادته".

 
العديد من الأفلام ليس بها مثل هذا "الإنقلاب": فما نراه هو كل ما لدينا، ونحن ننتظر الزمن حتى يؤكد التصورات، الطريقة "الصريحة" - كما شرحناها- تشبه لعبة كرة القدم حيث النتيجة غير معروفة حتى تنتهى المباراة، بينما الطريقة "الإنقلابية" تكون نتيجة المباراة معروفة مسبقاً، لكننا لم نكن على معرفة بما يدور خلف الكواليس، فى الفيلم التحريضى الرائع " Manderlay " للمخرج لارس فون تريير، نكتشف أن العبد الأسود الذى مثله دانى جلوفر كان مشتركاً مع صاحب المزرعة  فى إبقاء الوضع على ما هو عليه، معتقداً بانه إذا لم يظل الوضع على حاله فان الموقف سيزداد سوءاً بالنسبة لكل العبيد: فقد يحصلون على حريتهم لكنهم سيجوعون وسيتقاتلون مع بعضهم بعضاً.

 
هذا هو "الإنقلاب"، فبينما نفترض شيئاً فإننا ندرك لاحقاً عكس ذلك، نحن كنا نعتقد أن الأمر ببساطة هو قضية رجل أبيض يقمع الزنوج، لكننا نرى الرجل الأسود يمكن ان يكون متورطاً فى الظلم.

 
فى أفلام مثل "الحى الصينى" " Chinatown " و فيلم "نادى العراك" " Fight Club " وفيلم "الحاسة السادسة" " The Sixth Sense " وفيلم "تذكار" " Memento " وفيلم "حرارة جسم" " Body Heat " وفيلم "جزيرة القفل" " Shutter Island " وفيلم "اللعبة" " The Game " وفيلم "دوار" " Vertigo " وفيلم "ساحر أووز" " The Wizard of Oz " وفيلم "سايكو" " Psycho "، نحن على خطأ عندما نقيم تصورات يقينية، فالفيلم لا يكشف فقط عما لا نعرفه لكنه يكشف أيضاً عما كنا نخمنه كحقيقة.

 
عندما يقتل بطل الفيلم شخصية جاك بالانس فى نهاية فيلم "شين " أو عندما يزداد فساد مايكل كورليونى داخل العائلة، او عندما يموت رازو ريزو، هذه اللحظات تعتمد على الظروف المستجدة: مستجدة بمعنى أننا ليست لدينا معرفة مسبقة تجعلنا ندرك أن ريزو سوف يموت، وان "شين" سيفوز، و أن مايكل سيصبح نقيض ما قاله عن نفسه فى بداية الفيلم، الزمن هو الذى يكشف هذه التغييرات.

 
فى سينما "الإنقلاب" على أية حال، فان وجهة النظر أكثر من الزمن هى التى تكشف عن هذه التغييرات، سكوت "جيمس ستيوارت" يكتشف أنه تم التلاعب به من صديقه القديم جافين فى فيلم "دوار": فقد تم توظيفه ليتبع مادلين ليس بسبب أنه شرطى سابق عظيم، ولكن لان سكوت كان عاجزاً عن الحركة وقعيد، ويستطيع جافين أن يرتب لموت زوجته من خلال الإستفادة من مرض الرهاب من المناطق العالية الذى يعانى منه سكوت، وفى فيلم "الحى الصينى" يدرك جاك نيكلسون "جى جى جيتس" أنه كان فى الطريق الخطأ عندما تعلن فاى دوناواى "إيفيلين مولوارى" انها إبنة أبيها وفى نفس الوقت حبيبته، وفى فيلم "اللعبة" تكتشف شخصية مايكل دوجلاس أن أخيه رتب سلسلة من الأحداث لكى يوفر له إحتفالاً سعيداً بعيد ميلاده.

 
فى كل حالة من الحالات السابقة ثمة حدث كان موجوداً مسبقاً والمُشاهد يكتشف ما حدث بأثر رجعى، فى فيلم "الفك المفترس" وفيلم "الباحثون" وفيلم "راعى بقر منتصف الليل" ورغم أن لا احد يستطيع ان يعرف مسبقاً أن سمكة القرش ستُقتل، وان إبنة الاخ سيتم إنقاذها، وان راتسو سيموت، هذه احداث ضمن الزمن "الظاهر" فى الفيلم، اما فى "الإنقلاب" فإن الحدث يكون قبل القصة او خارج الكادر، إذا شعرنا احياناً بالخدعة فى مثل هذا الامثلة، فهذا لاننا عرفنا أدلة لمحت إلى دوافع متنوعة وراء أفعال الشخصيات.

 
فى فيلم "دوار" ربما يبدو جافين أو مادلين مشبوهاً فيهما، وربما تلك اللحظة فى فيلم "الحى الصينى" حيث تبدو مولوارى فى حالة قلق بعد أن يحس جيتس أنها تتلاعب به، هل يقودنا هذا ان نسأل كثيراً عما تخفيه مولوارى فعلاً، وربما يجب علينا ان نعرف ان شخصية "ويليس" فى فيلم "الحاسة السادسة" هو رجل ميت.

 
بينما قد يجد البعض ان مثل هذا "الإنقلاب" علامة على التلاعب من جانب المخرج تجاه المُشاهد، وهذا يعيدنا إلى التراجيديا الإغريقية التى نجدها فى واحد من أروع أفلام السبعينات، إنه فيلم "الحى الصينى" ونجدها فى أفلام واحد من أكثر المخرجين المعاصرين تأثيراً، إنه لارس فون تريير، إشارة إلى ان "الإنقلاب" شكل سردي ممتازً، ويمكن ان يقال نفس الشيئ على فيلمى "الحاسة السادسة" و "نادى العراك" فيمكن تشبيه السرد الإنقلابى بالبضاعة المشتبه فيها التى تباع خلف الشاحنة.

 
أيضاً هدفنا هنا ليس أن ندافع او نهاجم، ولكن أن نناقش، وبينما يوجد هؤلاء الذين يعتقدون ان "الإنقلاب" المفاجئ يشير إلى تلاعب، فإن البعض ربما سيصر على أن المخرجين الذين يصنعون أفلاماً تناسب التصنيف الثالث "التأملى" " tentative, " يمكن ان يبدون كسولين.

 
فالأمر يبدو كما لو أن المخرج الذى يصر على التحايل والمفاجاة هو مخرج يقدم عملاً صعباً لكنه ليس عادلاً، بينما مخرج الفيلم "التأملى" يبدو انه يلعب على كل المستويات إذا فكرنا فى المقارنة برياضة من الرياضات، ألا يبدو المخرج الذى لا يتيح شيئا،ً شبيها بلاعب كرة القدم الذى يُضيع الوقت؟ إذا كان لدينا مثال بلعبة جيدة، فماذا تشبه هذه اللعبة عندما يتم لعبها: لعبة بفريقين يحاولان ان يحرزا الإنتصار بأقل مجهود؟

 
هذا غير عادل لنوع السينما التى يصنعها عباس كيلروستامى وأنطونيونى واندريه تاركوفسكى ولوى بونويل وهو هسياو هسين ومايكل هانيكه، لكنها يمكن ان تبدو غير مفهومة للوهلة الاولى بالنسبة للمشاهدين المبتدئين.

 
الناقد الامريكى جدفرى شيشاير يقدر كثيراً أفلام كياروستامى، لكنه أيضاً يقر بان "أفلامه تبدو غير معنية على غير العادة بقضية الجمهور". ويضيف أيضاً، على أية حال، أن "الإفتقاد الواضح للإهتمام بالجمهور يخفى معناً عميقاً بالقلق والمسؤلية على نفس القضية". الإثارة السطحية للعبة يحل محلها تحرى وتحقيق لطبيعة الأشياء، وسواء حدث ان تكون نهاية فيلم "طعم الكريز" التى ترفض الكشف عما إذا كانت الشخصية المحورية ستواصل الحياة أم لا، بعد ان بحثت الشخصية المحورية عن أناس لكى يواروا جثته فى التراب عندما ينتحر، وفى فيلم "المطارد" لتاركوفسكى، نراه يسمح للشخصيات الثلاثة الرئيسية ان تدخل النطاق، ولكن بالنسبة إلى معنى النطاق فإنه يظل غامضاً، أو أنطونيونى الذى يتراجع عن كشف الجريمة الموجودة فى فيلم "تكبير الصورة"، المخرجون الثلاثة كلهم قد يكونوا معذورين ليس فقط برفضهم ان يلعبوا اللعبة فى ظل أسلوبهم البطيئ حيث لا شيئ يحدث، ولكن أيضاً فى عدم اللعب بعدالة عن طريق تأسيس إحتمالات الكشف التى كانوا يحجبوها.

 
لكن هدف الفيلم "التأملى" ليس أن يخفى عن الجمهور شيئاً فى بداية الفيلم ثم يكشفه فى الختام كما نتوقع من الفيلم "الإنقلابى"، ولكن ان يخفى كل شيئ من اجل الكشف عن وجهة النظر المختلفة للمًشاهد الذى يتصادف أنه يشاهد الفيلم، كياروستامى وتاركوفسكى وانطونيونى وبونويل لم يكونوا جميعهم خالقين الألعاب التى يرفضون عندئذ أن يجيبوا عليها، لكنهم بدلاً من ذلك يريدون "الألعاب التساؤلية"، ألعاب لا يوجد لها حل سهل.

 
أحد الأسئلة التى سألها كياروستامى فى فيلم "طعم الكريز" كانت ماذا لو كان الإنسان يريد أن ينتحر، بينما فيلم "المطارد" لتاركوفسكى يتسائل ماذا يعنى أن نؤمن، وفيلم "تكبير الصورة" لأنطونيونى يتفكر حول طبيعة الفضول، أراد المخرجون أن يقدموا سؤالاً أعظم من الإجابة القصصية الجاهزة، ولكى يخلقوا مساحة للمشاهدين حتى يجيبوا على السؤال بأنفسهم.

 
فيلم بونويل "سحر البرجوازية الخفى" " The Discreet Charm of the Bourgeoisie " هو فيلم "تأملى" حتى ان القصة لا يمكن أن تتطور نظراً لان الشخصيات لا تحصل مطلقاً على الوجبة التى يعدوا أنفسهم بها بسبب مقاطعات متنوعة، يلعب الفيلم مع توقعاتنا بينما نحن على ما يبدو نكون فى حالة واحدة فقط وهى أن نجد أنفسنا مستيقظين وخارجين من هذا الموقف بينما نلاحظ ان ما يحدث كان مجرد حلم لاحد الشخصيات، وعندئذ مرة اخرى، عندما نستسلم لواقع القصة نكتشف أننا فى حلم شخصية أخرى، نستطيع أن نرى هذا "التأمل" بطريقة إستفسارية فى أفلام كياروستامى، رغم ان المخرج يقول - فى مجلة فيلم ميكر- "من الواضح ان البشر هم انفسهم أينما كانوا"، فكياروستامى أيضاً يبحث عن الإستجابة على الصعيد الشخصى..

 
وقال له محاوره زكارى ويجون "انت تذكر الجمهور سواء تعلقوا بأشياء محددة ام لا،  انا عرفت بملاحظتك التى تقول فيها ان السينما غالباً تنقل معلومات كثيرة مثل الأفلام البورنو، وأنك تحب أن تحتوى الأفلام على معلومات أقل، انت تريد من الجمهور أن يعمل فكره كثيراً حتى يفهم ما يجرى، هلا تحدثنا عن إخفاء الفيلم للمعلومات حتى تمنح المشاهدين مساحة حتى ينخرطوا فى الموضوع؟" وكان رد كياروستامى "المنتجون والمخرجون السينمائيون قرروا ان المقاعد فى السينمات تم صناعتها لكى تحول عقول الناس إلى عقول بليدة، وبمجرد ان يدخلوا إلى دار السينما فإنهم يصبحون مستهلكين بلهاء ويجب عليهم أن يتغذوا على المعلومات، نفس هؤلاء الناس عندما يغادرون دار السينما، وعندما ينظرون من وراء الستائر فى منازلهم فإنهم يكونون فضوليين تجاه جيرانهم، إنهم يمكنهم ان يخمنوا إذا كان جيرانهم إخوة أم زوج وزوجة، وما هى اعمارهم، وما هى وظائفهم، إنهم يكونون فضوليين فيما بين بعضهم بعضاً ويمكنهم ان يفهموا بعضهم بعضاً بدون أن يتغذوا بالمعلومات"

 
نحن فى الحياة لدينا الحرية أكثر من معظم الأفلام لأننا نستطيع أن نمارس فضولنا بدلاً من أن نحصل على المعنى والمعرفة التى فُرضت علينا، فى بداية فيلم "طعم الكريز" ربما نتسائل ما الذى تفعله الشخصية المحورية وهى تقود السيارة خارج ضواحى مدينة طهران: هل سبب قيادته المتأنية للسيارة أنه يبحث عن عامل يستأجره، أم انه يبحث عن صديق؟.

 
القليل من الناس كانوا يخمنون انه يبحث عن شخص لكى يوارى عليه التراب بعد ان يموت، وفى هذه الفضاءات خلق كياروستامى معانى مختلفة ، وبالتأكيد فإننا فى فيلم "طعم الكريز" سنكتشف ما تبحث عنه الشخصية المحورية مع توالى الفيلم، لكن هناك ثمة توتر إستفسارى فى الفيلم حتى يجعلنا فضوليين بفعالية بدلاً من تقبل الأمر بسلبية.

 
فى فيلم "ستحملنا الريح جميعاً" هذا الفضول بفعالية يؤخذ إلى آفاق جديدة، وكما يقول جدفرى شيشاير فى "النيويورك برس" "ليست الفرضية الأساسية للقصة فقط هى التى تتركنا مشوشين وغير متيقنين خلالها، ولكن الشخصيات الإحدى عشر الهامة – ومن ضمنهم حفار القبور، والمراة الميتة ورفقاء بيزهاد – فكل هذه الشخصيات ليست مرئية، فكياروستامى ينوه عنهم أو يدعنا نسمع أصواتهم، ولكنه يبقيهم مختفيين".

 
عندما لاحظنا أن الأفلام العظيمة مثل "سيكو" و"ساحر أووز" هى أفلام "إنقلابية" عظيمة، فقد يجوز لنا أن نضيف أن إنقلابهما يعتمد على منع إظهار الشخصيات على الشاشة، فى فيلم "سيكو" نكتشف أن الأم هى فعلاً نورمان باتس، إنه يطلق صوته حولها، وفى فيلم "ساحر أووز" فإن الصوت الطلق العميق للساحر ينتمى إلى ساحر لا إعتبار له، تلك الأشكال هى ما أطلق عليها مُنظر الصوت العظيم مايكل شيون "أصوات خارج الكادر" "نحن نستطيع وصف الأصوات خارج الكادر بانها الكثير من الشخصيات الغامضة والثرثارة المختفية وراء الستائر، فى الحجرات أو المخابئ، حيث شريط صوت الفيلم يقدمهم لنا: مثل أستاذ الجريمة  فى فيلم المخرج فريتز لانج "" عهد الدكتور مابيوس"، ومثل الام فى فيلم "سيكو" لهيتشكوك، ومثل الساحر المزيف فى "ساحر أووز" الذى أنتجته شكرة مترو جولدن ماير......" من كتاب "الصوت- رؤية".

 
يستطيع المرء أن يرى طموح كياروستامى "التأملى" فى منحنا إحدى عشر من هذه "الأصوات خارج الكادر" بينما فريتز لانج وألفريد هيتشكوك منحانا صوتاً واحداً فقط.

 
فى أحد اللحظات من فيلم "ستحملنا الريح جميعاً" يُلقى عالم آثار بعظمة إلى الشخصية المحورية التى تتلقفها، وبعد ذلك يتم نقله إلى المستشفى بعد حادث تعرض له فى حفرة، أيضاً فإنه يظل من الضرورى وجود الشخصيات خارج الشاشة حيث يتيح لنا كياروستامى ان نتكهن بمظهر هذا الشخصيات.

 
وفى فيلم "عشرة" لكياروستامى نجد انه أقل طموحاً ولكنه مازال مهتماً بموضوع "الأصوات من خارج الكادر"، فهو يعرض بداية نقاش بين صبى صغير وبين امه بينما هما فى سيارة تسير، ولدقائق قليلة تتثبت الكاميرا على وجه الصبى بينما امه تُسمع من خارج الكادر وهى تجادله قبل أن يقطع المخرج على الأم ونرى انها إمراة شابة جميلة ترتدى نظارات شمسية، هل تفاجئنا من هذه الصورة، هل كنا نتوقع إن المرأة من ربات البيوت؟ إذا قطع الفيلم بين الإثنين من بداية المشهد، فإن كياروستامى كان سيحذف هذا الإحساس اللاشعورى الذى يحعلنا نتسائل عن ماهية هذه المراة وما هو شكلها، لأننا سنراها فى الحال، لكن طريقة كياروستامى تسمح لاى مُشاهد ان يخمن - سواء شعورياً او لا شعورياً- شكل هذه المرأة.

 
وكما قال روبير بريسون فى احد المرات فى كتاب "ملاحظات للسينمائى" الصوت يستدعى للأذهان صورة، لكن الصورة لا تستدعى فى الأذهان صوتاً، وبالتأكيد فإن فيلم بريسون عن السجين الهارب المسمى "رجل يهرب" " A Man Escaped " كان فيلماً عبقرياً ليس فقط بسبب الطريقة التى تستحضر الإستشهادات خلال شريط الصوت الذى يعتمد على مكونات بصرية وجدت مكانها فى الشخصية المحورية بينما هو حبيس زنزانته، فهناك شخصيات عديدة تصبح مسموعة من خارج الكادر، وحتى الأشياء يمكن ان تكون لها أصوات أيضاً بينما نحن نتسائل من هم الذين نسمع أصواتهم.

 
من الواضح انه ليس كل المخرجين يقدمون التأمل والتخمين بنفس هذه الطريقة، ربما يضيف كياروستامى عندما يتحدث عن قدرة المشاهدين على الإستدلال فى حياتهم الخاصة قائلاً "لماذا يجب أن يكون الأمر مختلفاً فى السينما؟" لكن هذا قد يكون مختلفاً جداً عن نوع التخمينات التى يقدمها انطونيونى وإنجمار برجمان وتاركوفسكى ومايكل هانيكه وهو هسياو هسين، واى تحليل جيد للسرد التأملى يمكن أن يكشف عن الكيفية التى يستخدمها المخرجون، أنطونيونى على سبيل المثال قد يتفق مع كياروستامى عندما قال ان أصول الفيلم تبدأ "من تخميناته عن الحياة الحقيقية، هذا النوع من التخمين يصبح نوعاً من الغذاء الروحى، او الطعام الفكرى" لكنه أيضاً يقول أنه "يعترف أنه إذا كنت تريد ان تعبر عن عالمك الشعرى فيجب عليك ان تتجاوز الواقع"، من كتاب "الهندسة المعمارية للرؤية البصرية" " The Architecture of Vision ".

 
إذا كان ميزانسين كياروستامى واقعياً بصرامة، فإن الواقعية الموجودة فى أفلام انطونيونى تمتلك بعداً لما وراء الحياة الأرضية، فمدينة لندن فى فيلم "تكبير الصورة" تبدو خالية تماماً وتمتلك بعداً يعبر عما بعد القنبلة النيوترونية، والمنزل فى مقدمة الصخرة فى فيلم "نقطة زابريسكى" هو عبث معمارى مثل الإحتمالات المستقبلية، وبرج الماء فى بداية فيلم "كسوف الشمس" يبدو نذيراً بالإبادة النووية.

 
عندما سؤل انطونيونى من الناقدين سيرجى دانى وسيرجى توبيانا فى مجلة "كراسات السينما" لماذا لم يُخرج فيلم خيال علمى، فلم يبدو هذا كسؤال أحمق كما يبدو من الوهلة الاولى، أنطونيونى بدا كما لو كان يبحث عن بُعد مستقبلى من الناحية الفكرية، واى تطور قصصى في أفلامه يتم تحجيمه بسبب هذه الإشكالية الفكرية، إذا بقت قصص أنطونيونى نصف حاضرة رغم إمكانية تصويرها ( فثمة إمراة مفقودة فى فيلم "المغامرة"، وثمة جريمة قتل يتم إرتكابها فى فيلم "تكبير الصورة" وثمة رجل يحمل هوية قاذف بندقية فى فيلم "المسافر" – فهذا لأن التصور الذهنى أكثر اهمية من السرد القصصى، وحتى عندما يصور العمارة الجودية فى فيلم "المسافر" فإنه يفعل ذلك لكى يعطى الإحساس بان الشخصية صغيرة فى الكادر.

 
عندما تحدث جيل دولوز فى مجلد السينما 1 – الصورة المتحركة- عن ان الكادر له شكل تماثلى "analogue"، فقد أصر على ان الكادر يجب أن يعتمد على نظام المعلومات اكثر من إعتماده على النماذج اللغوية، المعلومات القصصية عند انطونيونى تبدو دائماً ثانوية بالنسبة إلى معلومات الأسلوب: فتجميع المعلومات البصرية لا يمكن ان يقلل من محتويات القصة، لكنه يبدو كإنجراف إلى عالم بصرى غير معتاد، وبالتالى فربما يوجد ثمة بُعد للخيال العلمى فى أفلام أنطونيونى.

 
أفلام تاركوفسكى تمتلك عنصر الخيال العلمى بدون شك، لإنه اخرج فيلمين ينتميان لهذه النوعية من الأفلام وهما فيلم "سولاريس" وفيلم "المطارد"، وهى إعدادات من روايات خيال علمى بصرف النظر عن الطريقة الغير تقليدية للفلمين، لكن إذا كان أنطونيونى ينشد فى أغلب الاحوال معانى غامضة لأفلامه خلال ما يفرضه من امكنة، فإن تاركوفسكى ينشد فى أغلب الأحيان سينما يمكن فيها للغموض ان يعلن عن نفسه فى الموضوع بدون تهميش وتغيير الموضوع، ولكن حيث الإعتقاد الذاتى يمكن ان يؤثر على موضوع إهتمام الشخص.

 
فى فيلم "سولاريس" نجد ان الشخصية المحورية "كريس" والآخرين الذين يدورون في المدار الفلكى، لديهم القدرة على خلق أناس بدون ذاكرة، وبناءاً عليه فإن زوجة كريس السابقة التى إنتحرت تعود إلى الحياة، وفى فيلم "المطارد" فإن النطاق يحقق أعمق رغبات الإنسان، لكنه يعكس أيضاً الضعف الإنسانى: أحد الشخصيات يُصبح غنياً بطريقة لا يمكن تخيلها، وعندئذ  ينتحر بعد وقت ليس طويلاً، العالم والكاتب اللذان يذهبان إلى النطاق مع المطارد يشعران بالفزع بينما يقتربان من النطاق، عارفين أنه ليس موضوعاً خارجياً ولكنه إتصالاً وتواصلاً مع أفكارهما ومشاعرهما.

 
غموض تاركوفسكى فى هذه الأمثلة ياتى من اللعب بالذاتية على حساب الموضوعية، من التلميح بعالم المستقبل الذى يمكن ان يزيل الحدود بين المادة والذاكرة.

 
الذى نجده غالباً فى المخرجين العظماء "التأمليين" هو ان الغموض ليس دائماً مجرد قضية السرد، إنه يتصل بعناصر الحيز والمشكلة الإدراكية أيضاً، وهذا لا يقتصر فقط على أنطونيونى، إنه عنصر محورى لبعض أفلام مايكل هانيكه وبعض أفلام هو هسياو هسين.
 
 
اللقطة الختامية الشهيرة فى فيلم "المخفى" لمايكل هانيكه تحتاج ان تُحلل بسبب صلتها بالمعلومات، فأولاً واخيراً، وقبل أن نستطيع حتى ان نبدأ فى تخمين ماذا تعنى، نحن نلاحظ أن إبن الشخصية المحورية يتحدث إلى الإبن الذى تبناه أبيه، وقد نتسائل إذا ما كانت هذه لحظة وفاق بين الجيل الأصغر فى غياب للجيل الأكبر، ام أنهما متورطان فى حملة إرهاب موجهة ضد الشخصية المحورية.

 
ربما يريد منا مايكل هانيكه أن نخمن ما يحدث، لكن، اولاً وأخيراً، يجب علينا ان نرى الشقيقين فى الكادر، فيكشف لنا هانيكه عنهما فى لقطة عامة مع عدد كبير من الشخصيات الاخرى الموجودة فى اللقطة أيضاً، وفى أفلام هو هسياو هسين أيضاً هناك غموض فى اللقطة، فى عدد من مشاهد فيلم "وداعاً، وداعاً أيها الجنوب"، فالغموض يتعلق بالطريقة التى يضع بها المخرج الشخصيات فى الكادر – احياناً يواجه احد الأشخاص شخصاً آخر بينما هو هسياو هسين يصور من وراء أحدهما حتى لا نستطيع ان نرى التعبير على وجه أى من الشخصيتين- فالغموض هو غموض فى دوافع الشخصيات أنفسها.

 
وعلى أية حال، فإن مخرجين مثل هانيكه وانطونيونى، وكذلك تاركوفسكى وكيارويتامى، مازالوا مخرجين للسينما الفصصية بشكل عام، لكنهم أصبحوا مخرجى قصة - موجهة وأصبحوا جزءاً من السرد "اللا روائى"، ففيلم "خمسة" لكياروستامى، على سبيل المثال، به عنصر قوى من الفيلم المركب ذى الاجزاء، بسبب اقسامه الخمسة، والتى تشمل قسماً حيث قطعة من الخشب تطفو على سطح البحر، وقسماً آخر عن اناس يتحدثون على الشاطئ، فلا توجد قصة تتطور، ويقول كياروستامى فى فيلم تسجيلى تم صنعه عن مراحل عمل فيلم "خمسة" انه كان مُتضايقاً جداً لأن الناس كان يستريحون فى القيلولة أثناء عمل الفيلم، وكان هذا فى الحوار الذى ادلى به للناقدة ناسيا حميد فى مجلة "سايت اند ساوند" منذ عدو سنوات" إذا خرجت من السينما ونسيت ما شاهته لتوك، فمن الأفضل لك بدلاً من ذلك ان تُقضى الساعتين فى النوم، فهذا على الأقل قد يمنحك بعض الطاقة، معظم أفلام هذه الايام تستنفذ طاقة الإنسان" – مجلة "سايت اند ساوند" عدد فبراير 1997- كياروستامى يتحدث عن الأفلام التى لا تخلق حيزاً كبيراً للغموض، وهى أفلام التسلية والترويح عن النفس، لكن الأفلام التى تقف على الطرف القصى لتيار السينما السائدة هى أفلام تتمتع بحرية فى طريقة السرد، حتى النوم يمكن ان يكون جزءاً من رد الفعل الشخصى على مشاهدة هذه الأفلام، والفيلم يخلق حيزاً لإمكانياته.

 
قد تكون طريقة كياروستامى فى عمل فيلم "خمسة" شبيهة بالنقد الذى كتبه داى فوجان عن فيلم "إمباير" للفنان اندى ورهول- الذى يدوم ثمان ساعات -  وهو فيلم يركز على مبنى الإمبير ستات، فعن هذا الفيلم التسجيلى ألمح فوجان أنه "يحتاج ليس إلى ان نشاهده ولكنه يحتاج فقط ان يُعمل"، فحضورنا الفعال غير دى صلة.

 
واحد من المشاكل التى يصادفها العديد عند مشاهدة الأفلام التى تفتقد إلى العنصر السردى "السينما اللاروائية" هى ان السينما وسيط يتميز بالإستمرارية، على عكس فن الرسم، فالفيلم فن مكانى وزمانى، ألا يكون الموقف غير مفهوماً أن يغضب احد الاشخاص إذا كان فرض الزمن موجود بدون امكانية للقصة؟

 
إذا أصر شخص ما ان أى اللوحة الفنية يجب أن يتم التطلع إليها لمدة زمنية معينة، فهل بعض من نفس الإحباط والهياج يدخل فى اللعبة؟ إن بعض  من الاهداف للسرد "اللا روائى" هو ان يستكشف الزمن بدون الإصرار على تلبيسه فى الحدث القصصى، الكثير مما يُدعى السينما التجريبية تهتم بهذه القضية, وسواء كان هذا فيلم "طول الموجة" " Wavelength " لمايكل سنو أو فيلم "الغروب" " Nightfall " لجيمس بيننج، أو فيلم "ليتوانيا وإنهيار الإتحاد السوفيتى" " Lithuania and the Collapse of the USSR " لجوناس ميكاس، أو فيلم "النوم" " Sleep " أو فيلم "بنات تشيلسى" " Chelsea Girls " او فيلم "خدعتى" " My Hustler " لورهول، فإن الفرد يجد ان الأفلام تبحث عن مزج بين الصرامة وبين السرد الطليق.

 
فيلم "طول الموجة" لسنو عبارة عن حركة زووم بطيئة تستغرق 42 دقيقة، ولا تغير الكاميرا مكانها أبداً، فهى تتحرك بهذا البطء فى إتجاه صورة مُعلقة على الجدار فوق كرسى أصفر، وفيلم "غروب" لبيننج يتبع زوال الضوء فى احد الأمسيات فى غابة بالولايات المتحدة الأمريكية، بينما في فيلم "ليتوانيا وإنهيار الإتحاد السوفيتى" تتركز الكاميرا على ميكاس وهو جالس على كنبة يشاهد الأحداث على شاشة التليفزيون، يركز ميكاس الكاميرا على سكونه اكثر مما يركز على الموقف الليتوانى كلحظة تاريخية، فميكاس المولود فى ليتوانيا والذى يقيم فى أمريكا يمس قضايا البُعد والسلبية فى مقابل التغيير التاريخى، فى فيلم "النوم" يصور وارهول جسماً نائماً لمدة ست ساعات.

 
وفى فيلم "انا لا أعرف ما أحبه " " I Do Not Know What It Is I am Like " للمخرج بل فيولا، فإن الكثير من وقت الفيلم يتم تمضيته على مشاهدة الطيور والحيوانات والأسماك.

 
عندما يتحدث النقاد او المخرجون أنفسهم عن الأفلام، فإنهم يناقشون التفاصيل التكنيكية او التفاصيل المتوفرة، عندما نوه بى آدامز سيتنى عن فيلم "النوم" فى " Visionary Film " فقد قال "نصف دستة من اللقطات تُشاهد على مدار ست ساعات، ولكى يتحقق هذا التطويل فقد إستخدم وارهول شريط "اللوب" المطبوع فى المعمل لشريط الفيلم الذى يبلغ مائة قدم، وفى النهاية إستخدم الصورة الثابتة الموجودة أعلى رأس الشخص النائم".

 
فى فيلم بل فيولا، نحن نشهد الشكل الفنى فى العمل: فنحن عادة نستطيع مشاهدة كاميرا المخرج منعكسة فى عين احد الطيور.

 
على أية حال، لا يجب علينا ان نبالغ فى إظهار مراحل التصوير على حساب الحدث، وكما يقول ستيفن دوسكين عن فيلم "طول الموجة" "إنه فيلماً بسيطا جداً (عبارة عن زووم مستمر بطيئ خلال حجرة) فهو ليس أكثر من حركة مكانية، حركة تتقدم خلال حيز مرئى، وهناك أربعة احداث تتم فى الفيلم على فترات: يتم إدخال حقيبة كتب إلى الحجرة، وتستمع قتاتان إلى الراديو – كان الراديو يذيع أغنية "حقول الفراولة" لفرقة البيتلز- ورجل يدخل الحجرة ويسقط على الأرض: وتدخل فتاة وتتحدث تليفونياً مع شخص ما وتقول له ان الرجل مات" – من كتاب "الفيلم هو" –

 
فى فيلم ميكاس، من الواضح ان ثمة احداث هامة تحدث أثناء مشاهدته للتليفزيون، لكن هذه الاحداث يتم إحتواءها داخل حالة السكون، داخل النموذج الرئيسى للفيلم الذى يجعل اى إنشغال بالحدث أشبه ما يكون بامر ثانوى بالنسبة للهدف الرئيسى للفيلم.

 
ينطبق هذا أيضاً على مشاهد ميكاس التى صورها عن حياة اندى وارهول، حيث البعد التوثيقى يتم تدميره بسبب الشكل الفنى للفيلم، وفى فيلم "مخملية تحت الأرض" " Velvet Underground’ "، فإن ما سجله ميكاس يتم عمل المونتاج له كما لو ان العملية المونتاجية اكثر اهمية من الوثيقة المُصورة، فثمة قطع مونتاجى مفاجئ، ومؤثرات بصرية وأصوات مشوهة، وهذا جعل الفيلم وكانه وثيقة لا صلة لها بما تم تصويره ولا صلة له بالهدف الذى كان وراء تصوير الفيلم.

 
عندما يبدأ شريط الصوت فى فيلم "طول الموجة" فإننا نسمع صوت ضربة حادة، إنها مزعجة جداً حتى انها تصم آذاننا وتسيطر علينا اكثر من الحدث الذى تعرضه الشاشة.

 
لكى نفهم هذا الفرق عن السينما الروائية العادية، يمكن لنا ان نتذكر الصوت فى فيلم "لا رجعة فيه" للمخرج جاسبر نوى، حيث كان الصوت مزعجاً بشكل واضح، لكنه سيجعل المُشاهد مرعوباً من الحدث الذى يدور على الشاشة - ومن ضمنه مجموعة مشاهد طفاية الحريق الشهيرة - وعن توصيف شريط الصوت فى فيلم "لا رجعة فيه" يذكر " IMDB "  ان "الدقائق الثلاثون الأولى من الفيلم بها خلفية من الضوضاء ترددها "28Hz "  وهذا تردد منخفض، وغالباً غير مسموع، وهذه الضوضاء تشبة الضوضاء التى يُحدثها الزلزال، وهى تتسبب فى الغثيان للإنسان، كما تتسبب فى المرض والدوار، وكانت هذه الضوضاء هى السبب فى خروج الناس من دار السينما أثناء عرض القسم الاول من الفيلم فى اماكن مثل مهرجان كان ومهرجان سان سبستيان، وفى الحقيقة، فإن هذا الصوت تم إضافته للحصول على رد الفعل هذا".

لكن هندسة الصوت هنا تدعم السرد، بصرف النظر عن بناء الحبكة "الإنقلابية" حيث يتوافق شريط الصوت المقرف مع الصور التى تعرض نفس القرف – عملية إغتصاب، ومشهد لطفاية حريق-.
 فيلم جاسبر نوى يحتوى على "التجريب"، لكنه من المبالغة ان نقول انه طليعى فيه، فعادة ما تهتم الأفلام "اللاروائية" بالتقنية،  وهذه خيارات رئيسية على حساب السرد وعلى حساب حتى العناصر التمثيلية.

 
ربما هذه التصنيفات عامة جداً وغير كافية، لكنها تتيح لنا ان نرى السينما فى علاقتها بالسرد ليس بوصفة سلسلة من الأشكال، ولكن بوصف السينما متصلة بالسرد "الظاهر" فى احد الأطراف، وبالسرد "الغير روائى" فى الطرف الآخر، فبعد كل شيئ، فحتى فيلم "جمال أمريكى" " American Beauty " يمكن ان يتضمن بداخله مشهداً حيث يمكن ان يكون قطعة من السينما التجريبية- إنه مشهد الحقيبة البلاستيكبة-  بصرف النظر عن صوت التعليق والموسيقى التى تؤكد المعنى.

 
فى فيلم "كلوس أب" لعباس كياروستامى هناك لحظة نرى فيها علبة صفيح تتدحرج فى الشارع، وتصويب الكاميرا على هذه الصفيحة يمكن ان يُلمح إلى السرد "اللا روائى"، بينما فى فيلم "المطارد" لتاركوفسكى هناك مجموعة مشاهد حيث تنفصل الكاميرا عن القصة وتتبع أشياءاً تحت الماء.

 
وبناءاً عليه، فإن الملمح "اللاروائى" قد لا يغطى كل الفيلم، لكنه مجرد لحظة داخل الفيلم تنتمى ظاهرياً إلى تصنيف آخر، وفى الواقع، فإن فكرة الموضوع الدخيل على الفيلم – كما فى فيلم "جمال أمريكى" وفيلم "كلوس أب" – أخذت حظها من الاهمية، فالكاتب الواقعى السينمائى سيجفريد كراكور يقول " المشهد المسرحى يركز بالحتمية على الممثل، بينما الفيلم سينمائى لديه الحرية فى التركيز على وجود الممثل وكذلك تفاصيل الأشياء المحيطة به". (من كتاب "نظرية الفيلم" " Theory of Film ").

 
ربما نقول فى الختام، أن الطريقة الوحيدة للهروب من القصة، نقيضاً لكُتاب مثل "مكى" وسيد فيلد ويورك، هى ان نفكر فى إهتمام كراكور بالموضوع، وكذلك ملاحظة جيل دولوز عن أنظمة المعلومات، إذا كنا نرى الفيلم بشكل أساسى بصفته موضوعات داخل نسق مرئى، عندئذ يمكن ان يكون السرد وسيلة يتم من خلالها ترتيب الحقل المرئى ولكن بعيداً عن الموضوع الواحد.